يوسف عمارة أبوسن
يمر السودان بواحدة من أعقد الأزمات التي مرت بها الدولة السودانية ، وقد برزت حكومة الأمل بقيادة الدكتور كامل إدريس كتجربة حكم مدني تحاول أن تشق طريقها وسط أنقاض الحرب وخرائب الاقتصاد، وفي ظل مواجهة لتمرد مسلح مدعوم خارجيا ، ظلت الحكومة التنفيذية تعمل على إدارة دولاب دولة شبه منهارة، وإعادة بناء الثقة مع مواطنين أنهكتهم الحرب والجوع، لذلك فإن تجربة حكومة الأمل كسلطة مدنية تحاول أن تثبت وجودها وتقدم خدماتها رغم كل الظروف، في محاولات صلبة لإعادة الحياة إلى طبيعتها..
وقد يتساءل البعض عن جدوى وجود حكومة مدنية في ظل سيطرة للعسكريين وأطراف اتفاق جوبا على مفاصل الدولة ، والإجابة تكمن في أن وجود هذه الحكومة، حتى ولو كان شكليا في بعض جوانبه ، يمثل أهمية قصوى تتجاوز المهام التنفيذية المباشرة، لان وجودها هو التعبير العملي عن استمرارية الدولة السودانية ككيان سياسي له مؤسسات مدنية، وبدون هذه الحكومة، سيبدو السودان للعالم دولة عسكرية خالصة، ما يفقده شرعيته الدولية ويجعله عرضة لمزيد من العقوبات والعزلة، لذلك فوجود حكومة الأمل يمنح السودان واجهة سياسية مدنية يمكن التعامل معها دبلوماسياً، ويفتح الباب أمام شراكات دولية وإقليمية كان يمكن أن تكون مستحيلة في غيابها، علاوة على ذلك، تمثل هذه الحكومة جسراً لإعادة الثقة بين الأطراف السودانية المختلفة، فوجود مدنيين في السلطة يقلل من حدة الانقسامات القبلية والإقليمية ، ويعزز الوحدة الوطنية ، ويفتح المجال أمام تحقيق تنمية مستدامة وشاملة، كما أنها تشكل أداة لنزع الشرعية عن أي محاولات للانفراد بالسلطة من قبل العسكريين أو حلفاؤهم من أطراف اتفاق جوبا ، إذ تذكر الجميع بأن السودان يسعى ليكون دولة مدنية ديمقراطية، وليس مجرد ثكنة عسكرية، وفي ظل الحديث عن ان الحكم المدني في مهب الريح ، يصبح الحفاظ على هذه الحكومة ولو بأدنى قدر من الفعالية ضرورة استراتيجية للحفاظ على الأمل في مستقبل ديمقراطي..
والحرب التي تعيشها حكومة الأمل هي في جوهرها حرب بالوكالة تستهدف سيادة السودان ووحدة أراضيه، وهي حقيقة تضع النزاع في سياقه الحقيقي كجزء من صراع إقليمي ودولي أكبر، حيث تُستخدم الميليشيا كأداة لتنفيذ أجندات خارجية على الأرض السودانية، وقد وثقت المنظمات الحقوقية الدولية هذا الدور الخارجي بشكل متزايد، كما حذرت منظمات حقوقية ألمانية ودولية من الدور الإماراتي في إطالة أمد الأزمة بالسودان وتصعيد الانتهاكات ضد المدنيين ، مؤكدة أن الإمارات تقدم دعماً مالياً وعسكرياً لهذه القوات، وأن هذا الدعم يتيح لها مواصلة حربها ضد المدنيين ويغذي تصعيد الانتهاكات والكارثة الإنسانيةو، كما كشفت تقارير عن شبكات معقدة لنقل السلاح عبر مطارات في ليبيا وتشاد وإثيوبيا، وتدريب مقاتلين في معسكرات خارج السودان…
لكن الوجه الأكثر قسوة لهذا التآمر الخارجي هو الحرب الاقتصادية الشاملة التي تستهدف تجويع الشعب السوداني، فبينما يموت السودانيون بالرصاص، يحاولون أيضاً النجاة من الموت جوعاً، وقد أصبح الاقتصاد السوداني في واحدة من أكثر مراحله تعقيداً، مع تسارع تراجع قيمة الجنيه وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع نسبة الفقر إلى 73% بين السودانيين ، بعد فقدان مصادر الدخل بخاصة في مواقع الإنتاج…
إن هذا الحصار الاقتصادي هو سلاح يستهدف كسر إرادة السودانيين وإجبارهم على الاستسلام، فكما أن الحرب العسكرية تستهدف الجنود، فإن الحرب الاقتصادية تستهدف المدنيين، وتحديداً الفئات الأضعف: النساء والأطفال والعجائز.، ومن يخطط لهذه الحرب يعلم أن الجوع يمكن أن يكون أكثر فتكاً من الرصاص، وأنه يمكن أن يحقق ما عجزت عنه المدافع والمسيرات …
وفي مواجهة هذا الحصار، تحاول حكومة الأمل بقيادة الدكتور كامل إدريس تجفيف مصادر تمويل الحرب من خلال التعاون الدولي ، وفي ذات الوقت تواصل جهودها المضنية لتطبيع الحياة وعودة المواطنين إلى ديارهم، وقد مثلت هذه الجهود استعادة للرمزية والسيادة ، ومنذ 11 يناير 2026 عادت الحكومة التنفيذية للعمل من العاصمة الخرطوم وهي عودة سياسية للدولة السودانية إلى موقعها الصحيح ..
وقد عملت الحكومة على توفير خدمات الصحة والتعليم، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، ومعاش وأمن المواطن ، بجانب العمل على دعم عودة الجامعات ، كما وجه رئيس الوزراء الجهات المختصة باستعجال عودة المياه والكهرباء والصرف الصحي لمنطقة بحري ، ودعا التجار إلى العودة لمزاولة نشاطهم ، وشجع المستثمرين على الدخول في مجال الطاقة الشمسية ..
وبالتوازي مع العودة ، وضعت الحكومة خطط طموحة لإعادة إعمار العاصمة والمناطق المتأثرة بالحرب، والتي تهدف إلى إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات تمهيداً لعودة المواطنين إلى مناطقهم ، وتستند هذه الخطة إلى رؤية استراتيجية خمسية للفترة 2026-2030 ، تركز على إعادة الإعمار بكل نواحيه وفق منظور استراتيجي شامل ، بجانب تحقيق السلام المستدام وإعادة تموضع المشاريع التنموية لتشمل كافة أنحاء البلاد، وفي هذا الإطار نجحت الحكومة في تشغيل 23 مصنعاً في مدينة بورتسودان ، وأعادت تأهيل مصنع جياد للسيارات، كما اتخذت خطوات في مجال الزراعة لمعالجة قضايا الري والمدخلات، وعملت على تطوير الإنتاج الحيواني، مع تصدير أكثر من 3 ملايين رأس من الماشية..
كذلك أولت حكومة الأمل اهتماماً خاصاً بملف عودة النازحين واللاجئين ، باعتباره أولوية قصوى، وقد دعت مبادرة الحكومة للسلام إلى تسهيل عودة النازحين واللاجئين لمناطقهم وبمحض إرادتهم ، مصحوباً بتسهيل انسياب المساعدات الإنسانية للمحتاجين، ولتحقيق هذا الهدف، وقعت لجنة الأمل للعودة الطوعية عقد شراكة مع ديوان الزكاة الاتحادي لتفويج عشرة آلاف من السودانيين من جمهورية مصر مجانا، كما تم إنشاء آليات لتنفيذ المبادرة على المستوى الداخلي ، بعرضها على القوى السياسية والإدارات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني ..
ولم تكتفي الحكومة بالعمل الداخلي ، ولكن سعت بنشاط إلى بناء شراكات دولية لدعم جهودها، وقد شارك رئيس الوزراء في مؤتمر الأمم المتحدة ، وخاطب جلسة مجلس الأمن حيث طرح مبادرة الحكومة للسلام، كما زار عدداً من الدول الصديقة والشقيقة ، لصناعة فرصا جديدة لمكاسب اقتصادية خلال زيارته للمملكة العربية السعودية ، وقد حظيت مبادرة حكومة الأمل للسلام بقبول دولي وإقليمي ومحلي ، وتكمن أهميتها في أنها سودانية خالصة، وتشتمل المبادرة على وقف إطلاق النار ، وتجميع مقاتلي المليشيا في معسكرات ، وإعادة النازحين واللاجئين، والعون الإنساني، ونزع سلاح المليشيا ..
خلاصة الأمر فان تجربة حكومة الأمل في السودان هي تجربة صمود استثنائي في ظل حرب مدعومة خارجيا ، وحصار اقتصادي يهدف إلى تجويع الشعب ، ودمار هائل في البنية التحتية ، وتحاول هذه الحكومة المدنية أن تبني دولة من الركام، في مهمة تبدو مستحيلة ، لكنها ضرورة وجودية، وقد لا تتمكن حكومة الأمل من تغيير واقع الحرب بين ليلة وضحاها ، لكنها على الأقل تحافظ على جذوة الأمل في قلوب السودانيين، فهي تذكرهم بأن الدولة هي مؤسسات مدنية تحاول أن تعمل، ومدارس تحاول أن تفتح، ومستشفيات تحاول أن تعالج، ونازحون يحلمون بالعودة، وذلك هو الطريق نحو ان يبقى السودان على خريطة العالم كدولة تسعى للسلام والديمقراطية والاستقرار ، وليس مجرد ساحة حرب بالوكالة، ورغم كل شيء ، والسلاح الأخير الذي لا يمكن لأي قوة خارجية أن تنتزعه من السودانيين هو (الأمل) ..
يوسف عمارة أبوسن
13 سبتمبر 2026
